سيد محمد طنطاوي
99
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
ويبادروا إلى الشكر بالطاعة ، إذا أصابهم برحمته ، وأن يصبروا على بلائه إذا اعترى زرعهم آفة ، فعكسوا الأمر ، وأبوا ما يجديهم ، وأتوا بما يؤذيهم . . . » « 1 » . ثم سلى - سبحانه - نبيه عما لحقه منهم من أذى ، بعد أن ذكر له جانبا من تقلب أحوالهم ، فقال - تعالى - : * ( فَإِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى ، ولا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ ) * . أي : فاصبر - أيها الرسول - لحكم ربك ، وأثبت على ما أنت عليه من حق * ( فَإِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى ) * إذا ناديتهم * ( ولا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ ) * إذا ما دعوتهم أو وعظتهم . وقوله * ( إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ ) * بيان لإعراضهم عن الحق ، بعد بيان كونهم كالأموات وكالصم . ثم وصفهم بالعمى فقال : * ( وما أَنْتَ بِهادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ ) * بسبب فقدهم الانتفاع بأبصارهم ، كما فقدوا الانتفاع ببصائرهم . * ( إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنا ) * أي : ما تستطيع أن تسمع إلا من يؤمن بآياتنا الدالة على وحدانيتنا وقدرتنا * ( فَهُمْ مُسْلِمُونَ ) * أي : منقادون للحق ومتبعون له . فالآيتان الكريمتان تسلية للرسول صلَّى اللَّه عليه وسلَّم عما أصابه من هؤلاء المشركين ، وعن إخفاق جهوده مع كثير منهم ، لانطماس بصائرهم ، حيث شبههم - سبحانه - بالموتى وبالصم وبالعمى ، في عدم انتفاعهم بالوعظ والإرشاد . . وبعد هذا التطواف في أعماق الأنفس والآفاق . أخذت السورة الكريمة في أواخرها ، تذكر الناس بمراحل حياتهم ، وبأحوالهم يوم القيامة ، وبفضائل القرآن الكريم ، وبأمر النبي صلى اللَّه عليه وسلَّم بالصبر والثبات . . قال - تعالى - : [ سورة الروم ( 30 ) : الآيات 54 إلى 60 ] اللَّه الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وشَيْبَةً يَخْلُقُ ما يَشاءُ وهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ ( 54 ) ويَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ كَذلِكَ كانُوا يُؤْفَكُونَ ( 55 ) وقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ والإِيمانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتابِ اللَّه إِلى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهذا يَوْمُ الْبَعْثِ ولكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ( 56 ) فَيَوْمَئِذٍ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ ولا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ ( 57 ) ولَقَدْ ضَرَبْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ ولَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُبْطِلُونَ ( 58 ) كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّه عَلى قُلُوبِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ ( 59 ) فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّه حَقٌّ ولا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ ( 60 )
--> ( 1 ) تفسير الآلوسي ج 21 ص 54 .